نذير حمدان

129

حكمة القرآن والحضارة

الآيات وتعليم الكتاب والحكمة وتطهير النفوس وتربيتها أفضل تربية ، وهي فضائل متشابكة متلاحمة يراد منها خير الجماعة الإسلامية في الدنيا والآخرة . والعملية التعليمية المطلوبة دعاء ورجاء هي تعليم الكتاب والحكمة ، وإذا كان الكتاب هو القرآن فإن الحكمة هي السنة أو شيء آخر أو كلاهما مما يتعلم ، ولا يقتصر فيهما على التحفيظ أو التلقّي ، ولذا فإن مجالس القرآن لا ينبغي أن تقتصر على الأداء الحفظي وإنما لا بدّ من تعلم آياته التشريعية والكونية والبشرية ، وأن ينشأ حفظته على ذلك لا من أجل زيادة نسخه وإنما من أجل فقههم فيه ومعرفتهم . بمعانيه ، ومثل ذلك الحكمة فإنها لا تقتصر على تحفيظ نصوصها شعرا أو نثرا بقدر ما ينبغي أن توضح أسرارها وتبرز منافعها والحضّ على العمل بها ، فالحكمة ليست كلما مجردا وتصورات نظرية وترفا ذهنيا بقدر ما هي سلوكات وتصرفات وعلاقات . وواضح أن الدعاء المبارك لا يقتصر فيه الحصول على الحكمة وتعلمها فإن إبراهيم طلب من اللّه أن يرتفع مقام حفيده إلى التعليم بأن يكون معلمها ومربي الناس عليها ، وهذا ما نجده من اقتران التزكية بتعليم الكتاب والحكمة ، وقد كان . الرسول صلى اللّه عليه وسلم متعلما : فقد تعلّم الرسول الحكمة من اللّه وتأدّب في كنفه حين تعلّم القرآن والمعاني السامية في الأحاديث القدسية وصنوف الوحي الأخرى ، ولم يعرف أنه اقتبس حكمته من مصدر بشري سوى تلك المعارف المكيّة وما حولها في فترتي الرضاعة والفتوة ، والتجارب الشبابية حصيلة الترحال التجاري المتكرر ، وما كان يقع أحيانا في أسواق العرب وأهمها سوق عكاظ ، وخبرات طبية معاشة في نفسه وأقاربه ، واطلاعات عابرة على الديانات السابقة والمعاصرة : السماوية منها والوضعية ، إنها ثقافة بسيطة ومعارف أولية بالنسبة إلى القرآن وحكمته ، ولكن اللّه علّمه ما لم يكن يعلم ( النساء 113 ) حتى شمل علمه بالقرآن ما في السماوات والأرض ومالكها ومدبرها ( البقرة 27 ) و ( الحج 70 ) ووقع ذلك موقعه في نفسيته الصفيّة المختارة بالكيفية التي أعدها اللّه إعدادا عقليا وعاطفيا وبدنيّا لتقبل حكمته ومن ثم لتحمل أعبائها وتبليغها ، وقد تمّ ذلك كله في ظلال عناية اللّه وحفظه ، فقد حفظه اللّه من مساوئ الجاهلية فكان الإنسان الحكيم قبل البعثة ،